اسماعيل بن محمد القونوي

185

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أن الجنة دار التكليف في الجملة كما سلف تحقيقه ( وتنبيها على أن القرب من الشيء يورث داعية وميلا ) . قوله : ( يأخذ ) أي الميل ( بمجامع قلبه ) أي أطرافه وجوانبه كأن كل طرف منه مجمع للخواطر ( ويلهيه ) من الإلهاء أي يشغل ذلك الميل القلب الذي هو محل العلم بالمحاسن والمقابح ولكون القلب محل إدراك خص بالذكر ( عما هو مقتضى العقل والشرع كما روي حبك الشيء يعمي ويصم ) أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه مرفوعا كما قيل والمعنى حبك الشيء يعمي من الإعماء بمعنى الإخفاء مجازا أي يخفي المحبة عنك قبحه فيرى حسنا حتى يؤدي إلى التناول فتهلك هذا في المبصرات قوله ويصم يجعلك أصم عن سماع معايبه ومثالبه والصمم مجاز أيضا ولما كان طريق معرفة الحق والباطل منحصرة في البصر والسمع خصا بالذكر . قوله : ( فينبغي أن لا يحوما ) إذ الحوم وهو الطواف والوقوع ( حول ما حرم اللّه عليهما ) أي طرفه يجلب المحبة ويشغل عن حرمته فيخاف الوقوع فيه بغتة بلا شعور ولهذا نهى اللّه تعالى عن قرب المنهي عنه في مواضع كثيرة ( مخافة أن يقعا فيه ) . قوله : ( وجعله سببا ) عطف على قوله تعليق النهي والضمير في جعله راجع إلى القرب قوله ( لأن يكونا من الظالمين الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) [ إبراهيم : 45 ] فسر الظلم بظلم نفسه بناء على أن الظلم معناه وضع الشيء في غير موضعه دون التصرف في حق الغير فإنه لا يراد هنا قوله ( بارتكاب المعاصي ) ناظر إلى كون النهي للتحريم ( أو بنقص حظهما بالإتيان بما يحل بالكرامة والنعيم فإن الفاء تفيد السببية سواء جعلته للعطف على قوله : وتنبيها على أن القرب من الشيء يورث داعية وميلانا فهو كقوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [ البقرة : 187 ] قال هناك نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل فضلا عن أن يتخطى كما قال صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لكل ملك حمى وحمى اللّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه . قوله : وجعله بالرفع عطف على تعليق النهي فهو أيضا من وجوه المبالغة الكائنة في هذه الآية أي وجعل قرب الشجرة سببا لكونهما من جملة الظالمين وأيضا في فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ من المبالغة ما ليس في فتكونا ظالمين على ما لا يخفى فإن قولك زيد من العلماء أبلغ في وصف زيد بالعلم من زيد عالم فأفاد أن قرب الشجرة يدرجهما في زمرة الظالمين فكيف أكلها ومن وجوه المبالغة فيها إيراد كلمة هذه المميزة لمنزلة الشجرة أكمل تمييز على ما مر قال الراغب القصد بالنهي عن قربان الشجرة تأكيد للخطر ومبالغة في النهي وذلك أن القرب من الشيء مقتض للإلفة والإلفة داعية للمحبة ومحبة الشيء كما قيل يعمي ويصم والعمى عن القبيح والصمم عن المنهي عنه هما الموقعان فيه والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه كما أن السبب الداعي إلى الخير مأمور به وعلى ذلك ورد ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه . قوله : سواء جعلته للعطف على النهي أو الجواب له فالمعنى على الأول ولا يكن منكما